كيف تشكّلت شبكات الحماية والتمكين حول جهاز دعم الاستقرار؟
في ليبيا ما بعد 2011، لم تعد القوة تُقاس فقط بعدد المسلحين أو السيطرة على الأحياء، بل أيضًا بقدرة بعض رجال المال والأعمال على شراء الحماية، وتوسيع النفوذ، والتحرك داخل الدولة عبر شبكات مسلحة نافذة. وفي قلب هذه المعادلة، تبرز أسماء يقال إنها استفادت من بيئة الإفلات من العقاب التي ترسخت في طرابلس، لا سيما في منطقة أبو سليم خلال سنوات نفوذ عبد الغني الككلي (غنيوة)، وبروز جهاز دعم الاستقرار كأحد أكثر التشكيلات المسلحة نفوذًا في العاصمة.
ومن بين الأسماء التي تُثار حولها تساؤلات واتهامات متداولة في هذا السياق، اسم علي ربع قرش، الذي يُوصف بأنه صاحب نفوذ مالي واسع، ومرتبط — وفق روايات ومصادر محلية متقاطعة — بعلاقات وثيقة مع شخصيات وعناصر نافذة داخل جهاز دعم الاستقرار، مستفيدًا من هذه العلاقة في تعزيز أعماله التجارية، وحماية مصالحه، وتوسيع نفوذه داخل مؤسسات الدولة.
أولًا: من هو علي ربع قرش في شبكة النفوذ هذه؟
بحسب المعطيات المتداولة، يُعرف علي ربع قرش بأنه تاجر دخان، ويُقال إنه يرتبط بوكالات أو مصالح تجارية مرتبطة بعلامات تبغ دولية مثل مارلبورو ووينستون، مع حديث متكرر عن صفقات مالية كبيرة ومشبوهة بملايين الدولارات.
غير أن أهمية اسمه لا ترتبط فقط بالنشاط التجاري، بل بطبيعة الغطاء الأمني والسياسي الذي قيل إنه تمتع به داخل طرابلس، وخاصة خلال الفترة التي فرضت فيها مجموعات غنيوة الككلي سيطرتها الفعلية على أبو سليم ومحيطها.
وتشير روايات متداولة إلى أن علي ربع قرش كان قريبًا جدًا من دوائر جهاز دعم الاستقرار، وأنه شكّل أحد الداعمين الماليين المهمين لبعض الوجوه المرتبطة بالجهاز، وعلى رأسهم — بحسب هذه الروايات — عبد الحميد المضغوطة، الذي يُشار إليه بوصفه أحد أخطر المطلوبين والمتهمين بالارتباط بملفات إجرامية وانتهاكات جسيمة.
ثانيًا: المال مقابل الحماية… كيف عملت المعادلة؟
جوهر هذه العلاقة، وفق ما يُتداول، كان بسيطًا وخطيرًا في آن واحد:
المال والتمويل مقابل الحماية والنفوذ والتسهيلات.
فبحسب شهادات ومصادر محلية، استعان علي ربع قرش بعناصر ومركبات تابعة لجهاز دعم الاستقرار في تنفيذ بعض مشاريعه وتحركاته داخل طرابلس، بما في ذلك تأمين مواقع وممتلكات وعقارات، وسط حديث عن أنه استحوذ على بعض العقارات في ظل بيئة ترهيب وانعدام توازن القوة.
وتتحدث روايات ميدانية عن أن مركبات تحمل شعارات “الدعم والاستقرار” كانت توفر له الحماية بشكل مباشر، في مشهد يلخص بوضوح كيف تحوّلت القوة المسلحة في بعض مناطق العاصمة إلى أداة لتأمين المصالح الخاصة، لا لحماية الدولة أو القانون.
إذا ثبتت هذه المعطيات، فإنها لا تشير فقط إلى علاقة شخصية أو تجارية، بل إلى نمط متكامل من تداخل رأس المال غير الشفاف مع السلاح والنفوذ الإداري، وهو أحد أخطر مظاهر اقتصاد الميليشيات في غرب ليبيا.
ثالثًا: شبهات تتجاوز التجارة التقليدية
الحديث المتداول حول علي ربع قرش لا يتوقف عند التجارة والغطاء الأمني فقط، بل يمتد إلى شبهات أكثر خطورة.
فثمة مزاعم متداولة تشير إلى احتمال ضلوعه في أنشطة مرتبطة بالممنوعات، بما في ذلك الاشتباه في امتلاكه أو إدارته لمصنع لإنتاج الحبوب المهلوسة، إلى جانب اتهامات بالارتباط بملفات الاتجار في المواد المحظورة.
هذه المزاعم تحتاج بطبيعة الحال إلى تحقيق قضائي مستقل ومهني، غير أن مجرد تداولها بهذا الاتساع داخل سياق ترتبط فيه الحماية بالسلاح والولاء المسلح، يفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول كيفية استخدام بعض شبكات الميليشيات كغطاء للأنشطة غير المشروعة.
وفي حال ثبوت أي من هذه الوقائع، فإن القضية لن تكون مجرد فساد اقتصادي أو تجاوزات مالية، بل جزءًا من بنية إجرامية أوسع تستخدم مؤسسات موازية وأذرعًا مسلحة لتأمين الاستمرار والحصانة.
رابعًا: التهرب الضريبي، ترهيب المنافسين، وشراء الصمت
تتحدث الإفادات المتداولة أيضًا عن أن علي ربع قرش استعمل نفوذه لتجنب بعض الالتزامات الضريبية والمالية، مستفيدًا من علاقاته داخل دوائر الحماية والنفوذ، بما مكّنه من التحرك في بيئة شبه محصّنة من المساءلة.
كما يُقال إنه لجأ إلى الضغط على بعض منافسيه وتهديدهم، وفي حالات أخرى استخدم المال لتطويع بعض الأطراف أو تحييدها، بما يعكس سلوكًا اقتصاديًا قائمًا على الإكراه غير المباشر، لا على التنافس التجاري الطبيعي.
وهنا تظهر الصورة الأوضح:
ليست المسألة مجرد رجل أعمال ناجح أو نافذ، بل — إذا ثبتت هذه الوقائع — نموذج لرجل مصالح نما داخل ظلّ السلاح، لا داخل السوق الحر أو مؤسسات الدولة الطبيعية.
خلفية: جهاز دعم الاستقرار… من جهاز رسمي إلى سلطة موازية
لفهم هذه الشبكة، لا بد من العودة إلى الخلفية البنيوية التي أنتجتها.
تأسس جهاز دعم الاستقرار رسميًا في 11 يناير/كانون الثاني 2021 بقرار من المجلس الرئاسي الليبي، بوصفه جهازًا أمنيًا تابعًا للدولة. لكن في الواقع، ارتبط الجهاز سريعًا بنفوذ عبد الغني الككلي (غنيوة)، الذي حوّله — وفق كثير من التحليلات والاتهامات الحقوقية — إلى مركز قوة مسلحة يمتلك غطاءً رسميًا لكنه يحتفظ بمنطق الميليشيا. وقد وثّقت منظمات حقوقية، بينها Amnesty International، اتهامات خطيرة ضد الجهاز شملت القتل غير المشروع والاحتجاز التعسفي والتعذيب والانتهاكات الجسيمة. كما دعت الأمم المتحدة في 2025 إلى تحقيق مستقل في المقابر الجماعية والانتهاكات المنسوبة إلى مرافق يديرها الجهاز أو عناصر مرتبطة به. �
Amnesty International +2
أما عبد الغني الككلي، المعروف بـ“غنيوة”، فقد صعد من بيئة أبو سليم ليصبح أحد أكثر قادة التشكيلات المسلحة نفوذًا في طرابلس، قبل أن يُقتل في 12 مايو/أيار 2025 خلال اشتباكات وتوترات مسلحة شهدتها العاصمة، في لحظة كشفت هشاشة الترتيبات الأمنية التي حكمت المدينة لسنوات. وخلال تلك السنوات، تحولت أبو سليم إلى واحدة من أبرز مناطق النفوذ المغلقة أمنيًا وسياسيًا، حيث تداخل القرار الأمني مع المصالح الاقتصادية ومع شبكات الولاء الشخصي.
خامسًا: أبو سليم كمنطقة نفوذ… لا كحيّ فقط
خلال فترة سيطرة غنيوة الككلي، ومع بروز أسماء مثل لطفي الحراري وعبد الحميد المضغوطة داخل المشهد الموازي للنفوذ، لم تكن أبو سليم مجرد منطقة جغرافية، بل مركزًا لسلطة أمنية-اقتصادية موازية.
في هذا السياق، يصبح اسم علي ربع قرش — وفق ما يُثار حوله — جزءًا من شبكة أكبر، لا مجرد حالة فردية.
شبكة قوامها:
رأس مال غير خاضع للشفافية
غطاء مسلح
حماية سياسية أو شبه سياسية
تسهيلات داخل أجهزة الدولة
استعمال الترهيب في الاقتصاد والعقار والتجارة
وهذه هي المعادلة التي سمحت، لسنوات، بتحوّل بعض رجال الأعمال إلى شركاء موضوعيين في بنية الميليشيا، حتى وإن لم يحملوا السلاح بأنفسهم.
سادسًا: إيطاليا… مساحة حركة أم ملاذ نفوذ؟
تُثار كذلك ملاحظات متكررة حول إيطاليا بوصفها وجهة يتردد عليها عدد من المنتسبين أو المقربين من جهاز دعم الاستقرار، ومن بينهم — بحسب ما يُتداول — لطفي الحراري وسيف الككلي وغيرهم.
وفي هذا الإطار، يبرز اسم علي ربع قرش أيضًا باعتباره — وفق بعض الروايات — واحدًا من الوجوه المرتبطة بالأعمال الإجرائية واللوجستية والمالية التي دعمت بيئة الجهاز، بما يطرح تساؤلات حول شبكات الحركة الخارجية، وتقاطعات المال الليبي المشبوه مع المسارات الأوروبية.
هذا لا يعني، بحد ذاته، إثبات مسؤولية قانونية، لكنه يعزز الحاجة إلى تتبع أنماط السفر، الشراكات، التحويلات، الأصول، والارتباطات التجارية التي قد تكشف لاحقًا خريطة أوسع من مجرد علاقات محلية داخل طرابلس.
سابعًا: منظمات حقوقية ومسار التوثيق
بحسب ما يُتداول في الأوساط الحقوقية والإعلامية، فإن منظمات دولية وحقوقية تعمل على تجميع ورصد الأدلة المتعلقة بالانتهاكات والجهات المتورطة في دعم أو تسهيل أو تمويل البنية الإجرامية المرتبطة بجهاز دعم الاستقرار.
وفي هذا السياق، يُشار إلى أن اسم علي ربع قرش يُطرح ضمن الدوائر التي يُعتقد أنها لعبت أدوارًا مالية أو لوجستية أو حمائية مرتبطة بهذه البيئة، وهي مسارات — إن تم دعمها بأدلة ووثائق وشهادات وتقارير مالية — قد تصبح ذات صلة مستقبلًا بأي ملفات مساءلة قضائية دولية، بما في ذلك المسارات ذات الصلة بـ International Criminal Court. كما أن التقارير الأممية والحقوقية بشأن ليبيا شددت مرارًا على ضرورة تتبع شبكات التمويل والدعم التي مكّنت التشكيلات المسلحة من الاستمرار. �

رجل أعمال أم عقدة وصل داخل اقتصاد الميليشيا؟
القضية هنا ليست فقط ما إذا كان علي ربع قرش رجل أعمال نافذًا أو تاجرًا محظوظًا.
السؤال الحقيقي هو: هل كان جزءًا من منظومة تمكين متبادلة بين المال والسلاح والنفوذ الإداري؟
إذا كانت الوقائع المتداولة صحيحة، فإن ما جرى في أبو سليم لم يكن مجرد سيطرة مسلحة، بل نموذجًا مصغرًا للدولة المختطفة:
ميليشيا تمنح الحماية
رجل مال يوفر التمويل
مسؤولون يضمنون التسهيلات
ومواطنون ومنافسون يدفعون الثمن
وهذه، في جوهرها، ليست مجرد قصة شخص واحد، بل صورة عن كيف تحولت بعض أجزاء الدولة الليبية إلى فضاء قابل للبيع، والتأجير، والاستعمال القسري.
إن تفكيك هذه الشبكات لا يتطلب فقط إسقاط الأسماء من التداول السياسي، بل فتح مسارات توثيق وتحقيق مالي وقضائي جاد يجيب عن الأسئلة التي ظلّت لسنوات بلا مساءلة:
من موّل؟ من حمى؟ من استفاد؟ ومن غطّى؟